معايير احترام النفس ... والفهم الخاطئ
" من يحترم نفسه يحترمه الآخرين " ، مقولة نسمعها ويخالها كل شخص تنطبق عليه وأجزم بذلك .. ولكن ليس بالمفهوم الموحد , بل بمفاهيم متباينة ومستويات عقلية وعمرية مختلفة , وكل يرى أنه يحترم نفسه .
على سبيل المثال لا الحصر هناك العامل , والعاطل , والأمين , والخائن , المجتهد , والكسول , والمؤدب , والبذيء , والعابد , والمقصر , والصادق , والمنافق , و.. و.. الخ سواءً أكان ذكرًا أم أنثى , وكلٌ يرى أنه يحترم نفسه وأنه حر يفعل ما يشاء .
وهنا نقول إنه ليس لأي شخص أن يحكم على نفسه بأنه محترم , بل الآخرون هم من يحكم عليه وفقًا للعرف السائد ، وكل مجتمع لديه قوانينه وأعرافه التي يخضع لها كل فرد في تصرفاته وفي إصداره لأحكامه .
من هنا كان علينا أن نعتمد على بعض (المعايير) ونحتكم إليها ؟ ومعها لا يسعنا إلا أن نسَّلم لها ونعترف لكل فردٍ بما يراه لنفسه إن توافرت فيه تلك المعايير , وفيما لي سأقتصر على أربعة معايير فقط , من كثير جداً لا يتسع المقام لها .
أولاً /
عَنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِياكُمْ والجلوسَ بالطُرُقاتِ، قالوا: يا رسولَ اللّه مالنا بدٌ من مجالِسِنا نتحدثُ فيها. قالَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم : إذا أبيتمْ إلا المجلسَ فأعطُوا الطريقَ حقَّهُ، قالوا: وما حقُّهُ؟ قالَ: غضُّ البصرِ وكفُّ الأذى وردُّ السلامِ والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكِر". متفق عليه. وهذا لفظ مسلم
من خلال هذا الحديث النبوي هذا المعيار التربوي نتعلم كيف يحترم الإنسان نفسه , غض البصر عن المحارم والعورات , ورد السلام على من نعرف ومن لا نعرف , وكف الأذى عن الناس أو عن الطريق , لا أن ترمي مناديلك وعلب المشروبات في أي مكان وتقول هناك عمالة تقوم بجمعها وإزالتها .
وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر حسب ما أنت أهل له , ولا تقل لا دخل لي . وهذا يعني أن عليك الالتزام بهذه الآداب , أو الابتعاد عن الجلوس في الطرقات والتسكع فيها والحذر من مواطن الشبهات .
ثانياً /
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : حدثنا ابن سلام حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان .
فكيف يظن من يكذب أو يخون أو يخلف العهد أن لديه ذرةً من احترام النفس والحديث واضح لا يحتاج إلى تعليق , فهذه مبادئ إيمانية تربوية , إن تحلينا بها كنا جديرين باحترام الآخرين .
ثالثاً /
حدثنا أبو بكر محمد بن أبان حدثنا يزيد بن هارون عن شريك عن ليث عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس منا من لم يرحم صغيرنا , ويوقر كبيرنا , ويأمر بالمعروف , وينه عن المنكر .
وهذا أيضا معيار آخر لاحترام النفس , عندما أرحم الصغير وأقدم له النصح , والعون , والتوجيه , واللوم إذا لزم الأمر , نشجع ونثني على من يصيب , ونأخذ على يد المسيء , كي نسعد بجيل مهذب , ومستقيم , يكون عونًا لقيام مجتمع صالح , ولا نتركهم فريسة سهلة لمروجي المخدرات , أو الفكر الضال المدمر , كما أنه يجب توقير الكبير , واحترم سنه , ومكانته , وخبرته في الحياة .
رابعا /
عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن الرسول صلى الله عليه وسلم :( مرََّ على صُبرة طعام - كومة - فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال صلى الله عليه وسلم : ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال : أصابته السماء يا رسول الله ، أي المطر . قال : أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس ، من غشنا فليس مني ) رواه البخاري ومسلم .
إذاً أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى معيار تربوي مهم تبنى عليه العلاقات العامة بشكل سليم وآمن ، ويبنى عليه احترام النفس , واحترام الناس بعضهم البعض , فالغش من سمات النقص في شخصية الإنسان , وليس (شطارة).
إذاً احترام النفس يتحقق عندما يتصرف الإنسان التصرف الذي يجعل الآخرين ينظرون إليه باحترام , لا أن يدلل نفسه ويشبع أنانيته ويتبع أهوائه وأطماعه ويشذ عن العرف السائد ويقول أنه محترم لنفسه .
أيها الإخوة هذا قليل من كثير في مبادئ ومعايير التربية الإسلامية الواعية , والتي يجب أن نزن أنفسنا بها , ومن أراد الاستزادة منها فليبحث ويسأل من هو أعلم منه قال تعالى :
{ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43
إن ما آل إليه وضعنا من الفهم الخاطئ في احترام النفس يعود للتقصير في عدم فهم هذه المعايير الصحيحة وما شابهها ، والبعد عن مبادئ التربية الإسلامية الواعية من قبل البيت , والمجتمع , والمدرسة .
أرجو أن أكون قد وفقت في الإشارة لمعنى احترام النفس ؟
والله الهادي إلى سواء السبيل ..
المصدر موقع تربيتنا
نشر بتاريخ 31-01-2010 |